iii

الاثنين، 10 مارس 2014

أن تكون متدينا هذا الزمان



إنها منتهى الغربة في زمن الغربة، تلك التي يعيشها المتدينون في هذا الزمان، أولئك الذين رغبوا في التزام شرع الله، وأرادوا أن يكون هواهم تبعا لما جاء به دين الله الذي أوحاه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأن تكون حياتهم تتوافق مع ما يريده خالقهم و مولاهم، أولئك الذين تحرروا من الأهواء في زمن تغولت فيه الأهواء، و تجردوا عن الشهوات في زمن طغت فيه الشهوات، فكثر صراعها وزاد عبيدها، وتاه عشاقها في دروب الضلال و الانحراف.
غربة الدين و التدين تلك التي يعيشها من ابتغى رضا الله بسخط الناس، ولم يرغب في رضا الناس  بسخط الله، الذين جعلوا القرآن و السنة حكما و فيصلا في شؤون حياتهم يأتمرون بأمرهما و ينتهون بنهيهما، وهم في قمة السعادة حين يخضعون لسلطان الله، ولم تخضع رقابهم لنزغات الشيطان ولم يقعوا في شراكه، فسلمهم الله من الغواية، و حبب إليهم الايمان وزينة في قلوبهم، كره إليهم الكفر و الفسوق و العصيان.
أن تكون غريبا في هذا الزمان ليس بالسهولة بمكان،وأن تصبر على الغربة أصعب مما كان، فالشعور بالغربة بسبب التدين وسام شرف لا تساويه أوسمة الدنيا بأسرها، لكن المهم هو الحرص على ذلك الوسام من الضياع؟ إنه وسام طوبى من الله الكريم لأهل الغربة في هذا الزمان، فنعما به.
أن يصير الدين وأهل التدين غرباء فذاك ما نعيشه اليوم بمختلف المظاهر و التجليات، و كلما اجتهد المرء في التزامه بالدين الصحيح، و لازم البيضاء ليلها كنهارها، إلا واشتد عليه وطأ غربته، غريب بين القريب و البعيد،غريب بين أهله و قبيلته، بين أصدقائه و جيرانه، بين شركائه في عمله ووظيفته...بل غريب حتى بين من يحسبون أنفسهم أنهم على شيء من الإلتزام، بل إنه يشعر بتلك الغربة حتى مع نفسه، حين يلتفت يمينا و يسارا فيرى الجحافل قد سارت في طريق، واختار هو طريقا غيره فتراوده الأمارة بالسوء مالك ولهذا الإنعزال؟
أكلهم على خطأ وأنت على صواب؟ ولولا تثبيت الله لاستهواه ضلال الكثير.لكنه رام طريق الحق، وأيقن أنه أمة وحده.
المتدين الغريب اليوم لا يعيش إحساس الغربة بين قومه فحسب، ولا ينظر إليه من حوله على أنه غريب عن عالمهم الذي يعج بمخالفة شرع الله، بل إنه يتعرض للاستفزاز و التضييق، و الإهانة و التحقير، وهلم جرا... لأنه يشعر الآخرين بالذنب فيفكرون في الانتقام، ويسلكون مذهب من قال : أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون، يسخر منه الكاتب والمبدع والفنان و الاعلامي و السياسي و المشرع و الحقوقي و القانوني و الخواص و العوام...، يستعظمون اختياره لأصعب اختيار، و يستنكرون انفراده عن ركب القطيع المقود بعصا الشهوة و الغريزة و الهوى.
يتفننون في وصفه بأقذع الأوصاف لعله يهين أو يستكين، يضيقون عليه فرص العيش، وموارد الرزق، وسبيل الحياة، استحوذوا على كل متنفس ينسل منه ليضمن لقمة العيش، أو لحظة استجمام أو راحة بال، ضاق عليه المكان و الزمان بمظاهر الخنا و الإنحلال، مرة بالتصريح ومرة بالتلميح، يرسلون إليه رسائل إما أن تكون معنا أو لا مكان لك بيننا، وصدق من قال: ودت الزانية لو أن النساء كلهن زواني.
غاية القبح والندالة.
مهما  ضاقت المنافذ، واشتدت الأزمات واستحكمت حلقاتها فالفارج الله، هذا هو يقين الغريب في الله، فيمضي لا يلتفت لنباح ولا عويل، ولا يهزه عذب الكلام الغاوي، ولا يغريه بريق الضلالة اللامع، يسير إلى الله وكله ثقة لأنه يمشي في النور ومن حوله الظلمات. لئن حقد عليه الحاقدون لأنه لم يكن مثلهم، فهو يشفق عليهم لأنهم ما استطاعوا أن يكونوا مثله.
المسلم الغريب اليوم رجل سعيد بغربته، منتش بها حد الوله، يعيش سعادة ما أدركها المنتكسون و المتحللون من شرع الله، كلما اشتدت غربته كلما زادت سعادته، ودغدغ مشاعره الإحساس بالغربة في العالمين، مهما حاول الكارهون أن يشعروه بالحرمان من لذات المعاصي، وكلما اجتهدوا في إيلامه  بأوصاف التشدد و الرجعية و التخلف و التعقد إلا وازداد سرورا و حبورا، ولكم أفقد المنهزم المتغلب لذة النصر بابتسامة ساخرة فجن جنونه، وطاشت العقول، فهم بين نارين، نار الغواية و الضلال، ونار الحقد و الحسد على غرباء الزمان.
فطوبى لكم أيها الغرباء.
ومن لم يجد في إلتزامه غربة فليراجع التزامه.
ومن لم يجد لذة و سعادة في غربته فليحذر فإن شباك الانتكاس قد نصبت له.
فهذا ميزان الاستقامة في زمن الفتن و الشهوات و الشبهات.
فالالتزام ضريبة، عاقبتها فلاح الدنيا و الآخرة .
فمزيدا من الصبر أيها القابضون على الجمر.  


ذ.أحمد اللويزة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق